انعزمت عند اهل سوريا على المحاشي ومارح تصدقو شو شفت حاطين بقلب الكوسا

في أحد أيام الصيف الحارّة، تلقيت دعوة من أصدقاء سوريين للانضمام إلى وجبة عشاء تقليدية في بيتهم بدمشق. كوني من لبنان، كنت أعلم أن أهل سوريا مشهورون بكرمهم وأطباقهم الشهية، لكن لم أكن أتخيل أنني سأعيش تجربة لا تُنسى كهذه.
عندما وصلت إلى منزلهم، استُقبلت بابتسامات واسعة وعبارات ترحيب لا تنتهي. كان الجو دافئًا، مليئًا بالألفة، وكأنني فرد من العائلة. أثناء الجلوس في الصالون، تصاعدت روائح الطعام الشهية من المطبخ، مما زاد من فضولي.
“العشاء جاهز!” نادت ربة المنزل بفرح، فانتقلنا إلى طاولة طعام تبدو كلوحة فنية من الأطباق التقليدية. في وسط الطاولة، كان طبق المحاشي يحتل مكان الصدارة. كوسا محشوة بالأرز واللحم، تتوسطها قطع صغيرة من اللحم المطهو بعناية.
بينما كنت أستعد لتذوق أول قطعة من المحشي، لاحظت شيئًا غير متوقع. عندما قطعت الكوسا، وجدت داخلها مفاجأة صغيرة: قطع لحم شهية مخبأة مع الحشوة. كانت المفاجأة أشبه برسالة حب، دليل على كرم هؤلاء الأشخاص وحرصهم على إسعاد ضيفهم.
أحد أفراد العائلة لاحظ دهشتي وابتسم قائلاً: “هاد الكوسا للسيد الضيف. نحنا صحيح بظروف صعبة، بس الضيف إلو قيمة كبيرة عنا.” كانت هذه الكلمات بسيطة لكنها عميقة، تعكس ثقافة الكرم والضيافة التي يتمسك بها السوريون رغم التحديات الاقتصادية.
مع كل لقمة، كنت أستشعر الحب والاهتمام الذي وضعوه في إعداد هذا العشاء. لم يكن الأمر مجرد طعام على الطاولة، بل رسالة واضحة أن التقاليد والإنسانية لا تنكسر مهما كانت الظروف.
أثناء تناول الطعام، بدأت الأحاديث تدور حول الحياة اليومية. تحدثوا عن الغلاء الفاحش وصعوبة تأمين أساسيات الحياة. ورغم ذلك، كانوا يضحكون ويتبادلون النكات، وكأنهم يقولون للعالم: “لن نسمح للظروف أن تهزمنا.”
بعد العشاء، جلسنا نشرب الشاي ونأكل الحلويات، بينما كانت رائحة اليانسون تملأ المكان. شعرت بالامتنان العميق، ليس فقط للطعام الذي تناولته، بل للدرس الذي تعلمته عن الكرم والبساطة في ظل التحديات.
قبل أن أغادر، أصرّوا على تزويدي ببعض الطعام لأخذه معي، رغم إلحاحي بأنني اكتفيت تمامًا. ابتسمت ربة المنزل وقالت: “ما بصير الضيف يروح من دون شي.”
غادرت المنزل وأنا أشعر بأنني عدت بكنز ثمين، ليس فقط في شكل الطعام، بل في التجربة الإنسانية التي عشتها.
هذه الزيارة لم تكن مجرد وجبة عشاء، بل كانت درسًا في معنى الكرم الحقيقي الذي يتجاوز المادة ليصل إلى الروح. سوريا وأهلها علّموني أن الإنسانية تظل مشرقة، حتى في أحلك الظروف.




